أحمد ياسوف
164
دراسات فنيه في القرآن الكريم
ويؤخذ على بعض المعاصرين مآخذ ثلاثة في مضمار التشخيص في القرآن الكريم ، أولهم تصور التشخيص في صور الحركات كما ذكرنا ، كما يؤخذ عليهم ضآلة حجم العناية بالتشخيص إلا ما كان من محمد قطب عبد العال مع أنه أحيانا يسرد الآيات المشخصة ويشغل بعدها بالحركة ، كذلك يؤخذ عليهم اختلافهم في تسمية الفن أو إدراجهم له في الاستعارة ، ولكن هذا المأخذ الشكلي لم يقف عائقا دون تأملهم لآفاق الكلمة المشخصة وقدرتها التصويرية ، فالدكتور أحمد بدوي يقول حول آية الأعراف السابقة : « وقد يجسم القرآن المعنى ، ويهب الجماد العقل والحياة ، زيادة في تصوير المعنى وتمثيله بالنفس ، وذلك بعض ما يعبر عنه البلاغيون بالاستعارة المكنية » « 1 » . فهو يريد حذف المشبه به من الكلام والاكتفاء بشيء من لوازمه يذكّر به ، كالدمغ والشهيق والغيظ من الإنسان ، ونفهم من كلامه الانشغال بجلاء المصطلح عن كشف الإيحاء ، وهذا يحتاج إلى تأمل ذاتي مقرون بدراسة المناهج الحديثة في الدرس الأدبي ، ونفهم أيضا أن « سكت » تجسيم ، ونرى أن التشخيص أخص من التجسيم ، لأن التجسيم يعني تصوير المعاني بمحسوسات ، أي نقل المجرد إلى الحسي ، وربما لا يتخذ هذا النقل حركة أو شعورا بشريا لتبيين المعنى ، فلا بد من الصفات الآدمية لهذه الخصوصية ، أما التصوير فهو شامل لهما أي التجسيم والتشخيص . ومن الملامح النفسية الخشوع الذي يسند إلى الأبصار والوجوه ، قال عز وجل : خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [ المعارج : 44 ] و [ القلم : 43 ] ، وقال عز من قائل : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [ الغاشية : 2 ] . التشخيص وغيره لونا فكريا جديدا يوسع المعرفة ، إذ كل تركيب لغوي
--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص 221 .